
تخيل تكون دولة كاملة بوزاراتها وبيروقراطيتها تقف في وجهك وتقولك: “ممنوع عليك تصنع مركبات بأربع عجلات، اقعد في الدراجات!”. تعاندهم وتنتصر في البرلمان وتدخل عالم السيارات، ومن بعد بسنوات قليلة، رئيس أكبر شركة سيارات في العالم يستهزأ بتقنيتك وتنجح في أصعب اختبار بيئي في بلاده بلا محول حفاز! هادي هي العقلية اللي بنت إمبراطورية هوندا.
البداية في عالم الأربع عجلات كانت معركة قانونية شرسة في بداية الستينات؛ وزارة التجارة والصناعة اليابانية (MITI) كانت حابة تمنع أي صانع جديد باش تحمي شركات كيما تويوتا ونيسان بقانون خاص. سويتشيرو هوندا رفض الخضوع، ودخل في سباق مع الزمن وكشف في معرض طوكيو 1962 على نموذج لشاحنة صغيرة ونموذج لسيارة رياضية مكشوفة سموها S360.
وباش يفرض الأمر الواقع قبل ما البرلمان يصادق على القانون، أطلق رسمياً في جوان 1963 شاحنة نفعية صغيرة (Kei truck) سموها Honda T360، حطولها في الوسط محرك سباق مجنون بـ 4 أسطوانات وعمود كامات مزدوج DOHC و 4 مكربنات يدور حتى لـ 8,500 دورة في الدقيقة! وبعدها في أكتوبر 1963، أطلق أول سيارة رياضية حقيقية Honda S500 بسلاسل نقل حركة مستوحاة من الدراجات. هاد الجرأة خلات مشروع القانون يسقط رسمياً في البرلمان الياباني عام 1964، وفرضت هوندا نفسها كصانع سيارات معترف به قانونياً.
بصح السيارات الرياضية المعقدة ما كانتش توكل الخبز؛ مع نهاية الستينات وبداية السبعينات، دخلت هوندا في أزمة خانقة بسبب سيارات كيما Honda 1300 اللي كان سويتشيرو مصر يبرد محركاتها بالهواء، الشيء اللي كاد يفلس الشركة. هنا الفريق الهندسي الشاب أقنع المؤسس بالتحول للتبريد بالماء، وجاء المنعطف التاريخي الأكبر عام 1972 بإطلاق الأسطورة: هوندا سيفيك (Civic).
السيفيك كانت سيارة ذكية وصغيرة، بصح المعجزة الحقيقية كانت في 1973 مع ابتكار نظام CVCC (الاحتراق المحكوم بالدوامة المركبة – Compound Vortex Controlled Combustion). الفكرة الهندسية كانت عبقرية: غرفة احتراق أولية صغيرة (Pre-chamber) تحرق خليط غني بالوقود، وتطلق شعلة تشعل الخليط الفقير في الغرفة الرئيسية. هاد النظام خلى المحرك يحرق الوقود بنظافة خيالية وخلاه أول محرك في العالم ينجح في تجاوز قانون الهواء النظيف الأمريكي الصارم (Clean Air Act) بلا ما يحتاج لمحول حفاز (Catalytic Converter)!
وهنا صرات الحادثة الشهيرة: رئيس جنرال موتورز (Richard Gerstenberg) استهزأ بهوندا وقال بلي هاد التقنية ما تركبش على محركات الـ V8 الأمريكية الضخمة. سويتشيرو سمع بالهدرة، شرى سيارة Chevrolet Impala بمحرك V8 سعة 5.7 لتر، جابها لليابان، ومهندسو هوندا صمموا وصنعوا رؤوس أسطوانات (Cylinder Heads) جديدة كلياً بنظام CVCC وركبوها على نفس محرك الشفروليه الأمريكي الأصلي، وبعثوها للمختبرات الفيدرالية في ميتشيغان… السيارة اجتازت اختبارات الانبعاثات بأعلى علامة، وكانت هادي أكبر إهانة هندسية توجهت لديترويت في عقر دارها!
بعد هاد النصر الكاسح، انفجرت شعبية هوندا عالمياً ودخلت عصرها الذهبي:
– في 1976، أطلقت سيارة أكورد (Accord) اللي سيطرت على فئة السيدان العائلية، وفي 1982 كانت هوندا أول صانع ياباني يفتح مصنع سيارات كامل في أمريكا (في ماريزفيل، أوهايو).
– في منتصف الثمانينات، هيمنت محركات هوندا على سباقات الفورمولا 1 مع أساطير كيما آيرتون سينا وألان بروست.
– في 1986، أطلقت أكيورا (Acura) كأول فرع فاخر ياباني في التاريخ، سابقة لكزس وإنفينيتي بسنوات.
– في 1989، أطلقت تكنولوجيا الصمامات الثورية VTEC، اللي جمعت بين الاقتصادية في المشي الهادئ والتوحش الميكانيكي في الدورات العالية.
– في 1990، صدمت العالم بسيارتها الخارقة NSX المصنوعة كلياً من الألمنيوم، ومن هاد المشروع بالذات، انطلقت في عام 1992 أسطورة شارة الأداء العالي الرسمية: NSX Type R (NA1)، قبل ما تنتقل هاد الشارة الحمراء المرعبة لاحقاً للإنتقرا والسيفيك.
– وفي أواخر التسعينات، واصلت التوسع بذكاء مع سيارة الدفع الرباعي المدمجة CR-V في 1995، ودخلت مبكراً للسيارات الهجينة مع Insight في 1999، وبقات الشركة محافظة على استقلاليتها التامة بلا ما تتبع أي تكتل أجنبي.
هادي كانت الخريطة الشاملة لمسيرة هوندا من ورشة دراجات لعصيان الحكومة، وصولاً لتلقين عمالقة العالم دروساً في الهندسة والميكانيك.
ضرك بعد ما عرفنا مسار الشركة، جا وقت ندخلو في كواليس الحلبات ونكتشفو كيفاش تأسست أشرس أذرع الأداء العالي: واش هي الحكاية وراء شارة Type R الحمراء، وشكون هي شركة “موغن” (Mugen) ومن أسسها؟ هذا واش راح نفصلو فيه في المنشور الجاي!
اذا وصلت لهذا السطر شكرا لك



